الخميس : 18/يناير/2018

مكتبات البلديات.. الموقع والقارئ والدور

مكتبات البلديات.. الموقع والقارئ والدور | شبكة رعد الإخبارية
+ -

محافظات 29-5-2016- وكالات - شبكة رعد الإخبارية  

لم تعد المكتبات العامة مكانا حميميا للقراءة، وخلت من روح الضجيج غير المفتعل، الناجم عن ازدياد همس الجالسين على مقاعد القراءة أو الواقفين على الرفوف تفقدا وبحثا في الكتب. قلة من الناس تلك التي تذهب لتتجول بين رفوف مكتبة البلدية، تقلب عناوين الكتب أو تبحث عن كتاب يعنيها، أو ترتب موعدا مع صديق للمشي باتجاه المكتبة وقضاء وقت جميل في القراءة.

قبل انتشار الانترنت ومواقع التواصل الاجتماعي التي سهلت الوصول للإصدارات ومواضيع البحث، كانت مكتبات البلديات العنوان الرئيس للقارئ والباحث عن الثقافة والعلم. ويعود ذلك البرود بحسب القراء ومسؤولي المكتبات إلى عدة أسباب، فالقراء يبحثون عن خصوصيتهم وأجوائهم في القراءة، ومسؤولو المكتبات يقولون أن الانترنت أوجد بديلًا قويًا عن زيارة المكتبات. بينما يرى الكاتب الايطالي امبرتو ايكو أن  المكتبة يجب ان تحمل صفات اللا متوقع والمصادفة.

حين تتغير تقنيات القراءة، تختلف طريقة التعامل مع الكُتب، البعض يرفض بالمطلق أن يجلس خلف شاشة محملقا بصفحات تتابع نزولها تلقائيا أو بواسطة كبسة زر، ويرى أن متعة القراءة في ملامسة الورق وتقليبها بأصابعهم، وهناك من يؤلفون مكتباتهم الشخصية، ضمن امكانياتهم وظروفهم وخصوصيتهم، بالتالي تصبح المكتبات العامة مكانًا للصدفة. في الجانب الآخر هناك من يكتفي بالقراءة الالكترونية عبر تحميل الاصدارات على حاسوبه الشخصي او هاتفه المحمول، ويجد في ذلك سهولة الوصول للعناوين التي يريدها، وسرعة القراءة، اضافة الى أن القراءة الالكترونية باتت رائجة بشكل كبير خاصة بين فئة الشبان والشابات.

في جولة قامت بها "وفا" لمكتبات البلديات العامة في مدن طولكرم وجنين والخليل ونابلس، ومكثت في كل مكتبة ما يقارب الساعتين، لمست شبه خلو في تلك المكتبات من القراء والمرتادين، والذين يجيؤونها فقط في حال تنظيم فعاليات ثقافية من أمسيات شعرية أو ندوات توقيع ومناقشة اصدارات، إلا أن مكتبة بلدية نابلس تختلف في أعداد المرتادين والقراء والفعاليات الثقافية، فهي أكثر نشاطا وحياة من مثيلاتها، وذلك لعدة أسباب، أهمهما المكان الحيوي الذي تتمتع به، قريبا من وسط المدينة، اضافة لوجود حديقة كبيرة تضم ممرات وأشجار ومقاعد، وتتوسطها ساحة لتنظيم الفعاليات الثقافية وخاصة الأمسيات الشعرية.

آراء من القراء

الشابة مجد حامد من القدس، تقول: القراءة فعلٌ حميمي ومكتباتنا عادةً هادئة مناسبة للحميمية، ولكن المشكلة عدم تعويد الأطفال والناشئين على زيارتها والانسجام فيها للوصول لمرحلة الألفة. الألفة هي ما يسمح للشخص وللناشئ بزيارة دار جده أو خاله الذي يحبه والاستمرار بذلك، وكذلك المكتبات، ففكرةُ الزيارة أسبوعياً مع المدرسة أو مع الأهل تربي لدى الأطفال الألفة والانسجام مع المكان ليكبر ويرتاده لوحده عندما يستطيع التنقل بحريته بدل التوجه لأماكن أخرى مختلفة. هو نفسُ الحالِ مع الحدائق في بلادنا، ولكن مع المكتبات بشكلٍ أخص. المكتبة مهمة للراحة النفسية، للتجارب، للوعي، لتقبلِ الآخر عبر القراءة، والانسجامُ معها يأتي منذ الصغر ومن الصعب تنميته بسرعة عند التقدم في العمر.

سجى عبد الهادي من طولكرم، تقول إن مكتبة بلدية طولكرم "معروفة بتنظيم الانشطة الثقافية ولكنها تفتقر للكثير من الكتب الجديدة والمهمة، وعانيت كثيرا من مشكلة نقص الكتب فيها اثناء اعدادي مشروع التخرج فلم اجد الكثير من الكتب والدراسات في المكتبة".

رينا المحتسب من الخليل، تقول: مكتبة البلدية تبعد عني دقيقتين، لكنها تفتح وتغلق في ساعة معينة، وهذا يؤثر على مزاج القارئ الذي يشده كتاب ما، يبدأ بمطالعته لكنه مرهون بوقت معين تغلق فيه المكتبة ابوابها، اضافة إلى تدخل العاملين في المكتبة في نوعية الكتب التي تبحث عنها، وحين تسأل عن كتاب ما يهيلون عليك الأسئلة. لذا أفضل القراءة في البيت.

منال القاضي من رام الله، تقول: المكتبات العامة لم تعد تتميز بالهدوء وهو ما تحتاجه القراءة، فيما مضى كان لها حرمة وتُحترَم من قبل الجميع، أما الآن وعن تجربة شخصية فإن الأشخاص المتواجدون في المكتبة لمساعدتك هم أنفسهم مصدر ضجيج وصخب، اما الزوار فحدث ولا حرج، ولا أظن أن القارئ بإمكانه الاستمتاع بطقس مقدس مثل القراءة وسط كل هذا التشتت والانفعال.

موسى عليان من غزة، يقول: عن نفسي، أرى أن القراءة لقاءُ محبين، أريدُ أن أكون معه وحدي، ولي طقوسي الخاصة.

غريس سحار من القدس، لا ترى في المكتبات العامة أو حتى مكتبات الجامعات محفز للقراءة، خاصة من قبل موظفيها، وجوها المضغوط، البعيد عن اجوائها الخاصة في القراءة والمتمثلة بحديقة منزلهم والهواء الطلق. مضيفة ان ندرة الفعاليات الثقافية لا تقرب بين القارئ والمكتبة ولا تعرفه بها.

عصام سلامة من القدس، يرى أن الانطوائية التي يعيشها الناس لها أثرها على القراءة في المكتبات العامة، "فالناس تذهب للمكتبات وهمها الأول الاطلاع على تفاصيل الناس المتواجدة هناك، ماذا يقرأون وبماذا يهتمون".

يسري ابو عاصي من غزة، قال: قتلتنا العزلة ببطء، القراءة أصبحت طقس مغرق بالخصوصية والذاتية. في مقتبل حياتي كنت اتردد على المكتبة العامة اسبوعيا، كانت الكتب تستغرقني والقراءة فعل انهماك، لا التفت كثيرا لمن يجرح حضوره المشهد، كانت الناس خفيفة الوطء وتحاذر أن تجرح الهيبة في المكتبات العامة. نحن انعزلنا إلى حد صرنا نشتهي العابرين والطارئيين !

تسنيم يعقوب من القدس، تعتقد أن قرب أو بعد المكتبة العامة ليس له علاقة، "لأن القراءة انسجام روحي يدفعك للمجيء من أبعد نقطة، لكن الكتب الالكترونية تختصر على الناس الذهاب، رغم ايماني بمتعة القراءة من كتاب بين اليدين، سابقا كان العامل في المكتبة يطلع المرتادين على الاصدارات التي وصلت حديثا، ويشجعهم على قراءة كتاب معين، وكان المرتاد يخرج من هناك بكومة كتب تزرع الوعي والثقافة في دماغه، اليوم يبحث كل انسان عن الكتاب الذي يريده عن طريق الانترنت، وأحيانا يختصر على نفسه فيقرأ ملخصه فقط."

شهد طباخي من الخليل، رأت أن الناس اتجهت للحداثة وأصبحت تمل من المشهد الروتيني والتصميم الروتيني لمكتبات البلديات، حتى مواضيع الكتب الروتينية التي غالباً تغزو المكتبات أيضاً مل الناس من قراءتها، فالكتب الحديثة أصبحت مبتكرة تواكب الأجيال وتبتعد عن النمط التقليدي، وهذا جانب أيضاً يجذب القراء. عدا عن التكنولوجيا التي ساهمت بشكل ملحوظ في هذا الموضوع، وتنوع التطبيقات وتعدد الشبكات وإمكانية البحث عن الكتب دون عناء أو جهد يذكر وقراءة الكتب أصبح أسهل بكثير خاصة من مواقع الكتب التي أصبحت كثيرة جداً.

أصدقاء المكتبات العامة

تباينت آراء بعض الناس عن زيارة المكتبات العامة، بين بحثها عن العزلة والهدوء، وبوجود طقوس خاصة تتعلق بالقراءة والكتابة والتفكير والتأمل. وبين من يرى أن الدهشة لم تعد موجودة في التواجد مع كتاب في داخل مبنى مضغوط ولا يسمح بإدخال الطعام والشراب، ومنع التدخين والقهوة، اضافة إلى الازعاج الذي يسببه بعض العاملين في المكتبات.

ولكن في مقابل النفور من مكتبات البلديات وأجواءها، ما زال قراء يرتادونها ويجدون فيها ما يروق لهم ويلبي احتياجهم من الكتب والمصادر المختلفة، وان كان ذلك لا يحدث دائما، منوهين الى بعض النقاط السلبية في ما يخص مكتبات البلديات.

مجد عواد، تقول: اذهب بشكل أسبوعي إلى مكتبة بلدية نابلس، لمبناها روح حلوة، خاصة حديقتها، الموظفون هناك رائعون ويشعرونك أنك في بيتك، في العادة أعثر على الكتب التي أبحث عنها، لكن المشكلة أن عدد المقاعد المخصصة للقراءة قليل جدا، والجلوس عليها غير مريح. لذا أحمل ما أريد من الكتب وأعود لقراءتها في البيت.

شهد محمد من طولكرم، تقول: هناك عناوين قديمة وعناوين حديثة في مكتبة بلدية طولكرم، ومنذ فترة قليلة زودوا المكتبة بعناوين جديدة من معرض الكتاب العاشر، لكن ذلك لا يعني أنني أجد دوما ما أبحث عنه، المكتبة واسعة وجيدة، السيء فيها هو نقل الحسبة قريبا منها لتكون ملاصقة لها.

موال خميس، ترى أن مكتبة بلدية الخليل "رائعة، وفيها ما تحتاجه من الكتب، اضافة الى جوها الرائع"، ووجود مصادر ومراجع أفادتها في مشروع تخرجها.

روان البزور، تقول أنها تزور مكتبة بلدية جنين بشكل دوري، وتجد كتابا من بين كل خمسة كتب تبحث عنها، وتجد قراء بطريق الصدفة بداخلها، لكنها معجبة بتوافد طلاب المدارس عليها، اضافة إلى مبناها القديم والتاريخي "الذي يعطيها نكهة مميزة".

المكان والمحتوى..

وحول أمكنة تلك مكتبات بلدية نابلس وجنين وطولكرم والخليل، كانت الطريق إلى مكتبة بلدية جنين هي الأيسر في الوصول دون معاناة تذكر سوى صُغر اليافطة التي وُضعت فوق المدخل، فالمكتبة التي تأسست في سنة 1967، في مبنى قائم منذ العام 1890، تقع في وسط مدينة جنين، في شارع يُسمى شارع المكتبات وذلك لوجود العديد من المكتبات التي تبيع الكتب والقرطاسية والحقائب المدرسية.

فيما تقع مكتبة بلدية نابلس التي تأسست سنة 1960 وتحوي نحو 95 ألف كتاب، في شارع الشويترة، القريب من وسط المدينة، أما مكتبة بلدية الخليل، والتي تأسست سنة 1970، فتقع في بئر الحمص بباب الزاوية وسط المدينة، في مبنى منزوي قليلا ويحتاج الى جهد للوصول إليه، وتحوي على رفوفها 60 الف كتاب، فيما يعتبر مبنى مكتبة بلدية طولكرم المبنى الأقل حظًا في توفير الجو المناسب للقارئ وذلك بسبب التصاقه بحسبة البلدية، إلا أن مكتبة بلدية طولكرم والتي تأسست عام 1956 وأغلقت عام 1958 لظروف سياسية، قبل أن يتم إعادة افتتاحها في العام 1972 تنشط في تنظيم الفعاليات الثقافية، وتحتوي على رفوفها أكثر من 30 الف عنوان.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــ